ثورة تونس ،هل هي بداية انفطار العقد الصديء ؟
ها هي اولى حبات العقد الصديء تتناثر على ركح الساحة العامة كي تدوسها اقدام المحتجين معلنة نهاية فترة وولادة أخرى جديدة لتونس و معها المنطقة كلها ..
انطلقت السيرورة بصياغة شعب متحضر وشجاع ابى إلا ان يعلن تضامنه مع المهمشين ضحايا التجويع و الإقصاء ….. كان التضامن في المستوى فأتى اكله بسرعة باهرة .
كيف لا وتونس تسجل أعلى مستويات التعليم على المستوى العربي هي وفلسطين المحتلة
كما تتميز تونس بريادتها لتحرر المرأة العربية الحديثة من خلال قوانين سنها الرئيس الأسبق
"الحبيب بورقيبة " رحمه الله وبقيت يتيمة وسط صحراء العرب القاحلة من حيث قيم المساواة بين الجنسين إلى أن تآخت مع القوانين المغربية في العشرية الأخيرة .
مقومات حداثية تشكل بعض مرتكزات النسيج المجتمعي للشعب التونسي الذي انشيء
وفق قيم المساواة بين الجنسين ولقد عمل الرئيس المخلوع على تكريس هذا المعطى
والحفاظ عليه رغما عن المثبطات الأخرى .
يكاد يكون التحرش الجنسي منعدما في الفضاءات العامة لتونس الخضراء ….وبالتالي فالمرأة بإمكانها الاستمتاع بالتجول في المجال العمومي بكل طمأنينة مهما كان الوقت .
شخصيا زرت تونس عدة مرات وكنت احرص على تذكير زميلاتي بهذا التميز الاجتماعي
الذي جربناه عمليا من خلال تجولنا "وحيدات ليلا " وسط العاصمة وبالذات قرب تمثال الرمز المشترك بيننا :مؤسس علم الاجتماع "ابن خلدون" ونحن ننتشي بتملكنا اللحظي لللاستماع بشارع عربي خارج أي منغصات ذكورية مهما كانت ….
لقد كان الأمن يراقبنا من بعيد ونحن نقهقه فرحا بمكسبنا الساذج ذاك .غير مدرك لكنه فرحنا الصبياني ونحن نمارس مرحنا وسط شارع بورقيبة بجذل بالغ وكاننا ننتزع نشوتنا النسائية من رقعة تصادر حق النساء في التجول والسفر والاستمتاع بارض الله الطيبة خارج المعايير الذكورية المترهلة او المستفزة في احسن الأحوال .
علما أن نفس الأمن ،عكر علينا فرحتنا هاته بتفتيشه لأغراضنا التي تركناها بالفندق لأننا كنا في ضيافة إحدى الجمعيات الديموقراطية فظهرت لنا شراسة النظام المرعوب من نساء عزل لا حول لهن ولا قوة إلا أحلاما بسيطة من حجم نشوتنا بجولة بريئة في وطن يتسع للجميع .
كان الرجال يمرون جنبنا غير مبالين بوجودنا وإن تكلموا يقولون كلاما لطيفا ومهذبا ويواصلون سيرهم بشكل عادي وكاننا في عاصمة اوروبية .
مؤشر يدل على السلوك المهذب للرجل التونسي الذي يعامل المرأة معاملة الند للند ،وهذا معيار للرقي السلوكي بدون منازع .
هذه الإيجابيات كانت توازيها شروط سياسية تتميز بالقمع في أقصى صوره ، فالصحافة لا يسمح بها إلا في حدود التهليل للحزب الحاكم والتبجيل المبالغ فيه لزوجته "ليلى الطرابلسي " التي قفزت من مجرد "حلاقة " للسيدة الأولى لتونس والمسيطرة على جزء هام من ثرواته المادية وحتى المعنوية ،فالسيدة الأولى نصبت نفسها رئيسة لمنظمة المرأة التونسية وللعديد من الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي واستحصدت شهادات وأوسمة دولية تبجل نضالاتها الجمعوية المفترضة إسوة بجل السيدات الأوائل العربيات .
وبهذا تكون النخبة الحقيقية مقصية وعلى الهامش ،محرومة من حقها في التعبير أو الاعتراف اللهم إلا إذا سجلت الولاء للطغمة الحاكمة ومن يصر على التحدي يكون مصيره السجن والتعذيب او التهميش الاجتماعي مهما كانت مؤهلاته …
وهذا الأمر يعني أوسع الجماهير وخصوصا منهم الشباب الذين رغم مؤهلاتهم التعليمية
بقوا خارج الدورة الاقتصادية المحتكرة من طرف الحاكم ومقربيه . وهذا واقع مكرر على الرقعة العربية برمتها مع اختلافات بسيطة جدا .
لا شك أن الشروط المنتجة لهكذا ثورة هي نتاج سيرورة طويلة من المعاناة السياسية والاجتماعية وما يوازيها من مقاومات مختلفة الألوان لاستبداد وفساد ارخى بجبروته العفن على فضاء البلد طوال 23 سنة .
لقد ابدع نظام بنعلي ،كباقي الدكتاتوريات في إيجاد سبل التركيع والاحتواء من قمع وتدجين وشراء للذمم كي يستفيد من الصمت المتواطيء ،وكانت أجساد المناضلين والمناضلات الأفذاذ تؤثت مخافر الشرطة و سجون الجمهورية لأتفه الأسباب
كما كانت أصداء الممانعات الشجاعة تخترق جدارات التسييج كي تتمطط عبر اسلاك الشبكة العنكبوتية وباقي وسائل الاتصال المدعمة للحرية كي تعلن عن " اشعة مقومات نضالية كامنة وراء سياجات النظام العاتية ومتاهبة للانبثاق المتوهج في كل لحظة .
إنها سيرورة متشعبة من النضالات والممناعات ….وركامات من الغضب والإحساس بالغبن امام احتكار مافيوزي للثروات والقرار السياسي يوازيه امتهان لكرامة اوسع الفئات
من خلال القمع والتجويع والوصاية السياسية المتعفنة ….
انبثق الشعاع من خلال إحراق "البوعزيزي" لنفسه احتجاجا على التهميش ،وكان التأهب
الشعبي ناضجا بما يكفي لاحتضان هذا اليأس الدرامي وتحويله إلى صراع ضد اسباب اليأس من اجل امل للجميع .
تلقفت التنظيمات المدنية هذه الاحتجاجات بما يكفي من المسؤولية واحتضنتها ودعمتها
واندمجت القوى الحية مع بعضها البعض ضد نظام مستبد لم ينجح إلا في التدجين والإفساد






















